الدولة المرينية و إشكالية غياب الدعوة الدينية
من إنجاز:الطالب الأستاذ
خالد الزر يولي
شعبة الاجتماعيات
السنة التكوينية 2007/2008
مقدمة:
إن الحديث عن غياب الدعوة الدينية بالنسبة للدولة المرينية يقتضي مناقشة النظرية الخلدونية التي تؤكد على أن قيام الدول في العصر الوسيط رهين بأسس تلاث هي: العصبية و الدعوة الدينية و المال. مع التركيز على عامل الدعوة الدينية.
إدا كان صحيحا بأن أي دعوة دينية لا يمكن أن يكتب له النجاح دون شوكة العصبية فإن ما هو صحيح أيضا أنه ليس ثمة من عصبية تستطيع تكوين دولة بدون دعوة دينية و من هنا فلابد لدارس تاريخ الدول التي تعاقبت على المغرب في العصر الوسيط أن يبحث علاقتهما بالدين لأنه حاضر دوما كأساس من الأسس المثينة المعتمد عليها في بناء كل كيان سياسي جديد.
إن الإصلاح العقدي في العصر الوسيط كان يعني إصلاح كافة جوانب الحياة الأخرى من السياسية و الإجتماعية و الإقتصادية و الفكرية… بحكم هيمنة العامل الديني على بقية العوامل الأخرى فأغلب الحركات التي تحولت إلى دول كان أصحابها يلوحون بمشاريع الإصلاح العقدي فالإصلاح العقدي في العصر الوسيط كان الوسيلة الفعالة للوصول إلى السلطة السياسية .لكن هل استمرت الدولة التي تلت الموحدين في ترسيخ هدا النهج أو أنها عادت من جديد إلى مفهوم الدولة القبيلة ؟
إن الجابة على هدا السؤال بالنفي أو الإيجاب كفيلة بتفسير المراحل اللاحقة من تاريخ المغرب بإشرافاتها و نكساتها.
1-أسس قيام الدولة المرينية:
أكد بن خلدون على أن قيام الدول في العصر الوسيط رهين بأسس ثلاث هي العصبية والدعوة الدينية والمال. لكن بالرجوع إلى دولة بني مرين والبحث في العوامل التي أدت إلى قيام هذه الدولة وجدنا على أن بنية هذه الدولة مخالفة لبنيات الدول السابقة لها، فإذا كانت هناك عوامل دينية أو مذهبية حدث بهذه العصبيات السابقة إلى إقامة دول إلى جانب عوامل اقتصادية وسياسية، فإن المرينيين شذوا عن هذه القاعدة ومن ثمة فإن العامل العقدي / الديني لم يكن له أثر في تكوين دولة بني مرين، فلم يكن هناك من مذهب جديد أو عقائد مستحدثة أو دعوة تذكر. وبذلك جاز لنا أن نتساءل في ظل ما ذكر آنفا كيف ستتفاعل هذه العناصر العصبية والمال والتطلع للحكم في ظل غياب الأساس ألا وهو الدعوة الدينية لتخلف لنا دولة من فصيلة الدولة المرينية؟ ثم ما هي انعكاسات ذلك على الدولة؟
1-1 الأساس العصبي:
لا أحد يستطيع أن ينكر الدور الذي لعبته العصبية القبلية والشعور بالوحدة الأثنية والقرابة الدموية في نشأة الدول بالمغرب في العصر الوسيط نظرا لكونها توفر القوة البشرية الضرورية لتأسيس الدولة و الدفاع عنها بل يمكن الحديث عن الحضور القبلي القوي في بنية الدولة المغربية وفي الفعل السياسي عموما غير أن هذا الشعور بالوحدة وتلك العصبية لا ينبغي إسقاط صفة القدسية عليهما إذا أنهما لم يمعنا من نشوب صراعات دموية بين فروع هذه العصبية رغبة في التوسع لاكتساب مزيد من الأراضي الزراعية والمراعي وموارد الماء والتي كثيرا ما أدت إلى الاحتكام للغة العنف لتحقيق هذه الأهداف فقبائل بني عبد الواد الزناتية لم تعر اهتماما للوحدة الإثنية والقرابة الدموية عندما تحالفت مع الموحدين لمحاربة بني عمومتهم المرينيين. وقد عالج عدد من المؤرخين أصل بني ونسبهم وأغلبهم انتهى إلى أنهم من زناتة التي تفرقت منها قبائل وأمم كثيرة منها: مغراوة وبنو يفرن وزواغة ونفزة ومديونة وبنو عبد الواد وبنو مرين غير أنهم اختلفوا في نسبهم فهناك من رده إلى البربر وهناك من رفعه للعرب وفي ذلك محاولة لإضفاء المشروعية على توليهم الحكم. وقد قسم بن خلدون زناتة إلى طبقتين:
-بنو يفرن ومغراوة
-بنوم ع الواد وبنو مرين وهاتين الفخدتين من قبائل المغرب الأوسط.
أما مرين فذكر على أنه أحدد جدود القبائل التي تفرعت عن زناتة وعنه تفرعت أيضا قبائل كثيرة منها: بنو نعمان، وبنو زنطار. وقد كانت رياسة بني مرين أيام الموحدين في بني عسكر وكانوا يقطنون منطقة الزاب إلى تلمسان قبل أن تطردهم جيوش الموحدين نحو الجنوب حيث عاشوا عيشة البداوة والترحال وهو ما يدفع إلى القول بأن العامل القبلي في معاداة بني مرين للدولة الموحدين والرغبة في إنشاء دولة جديدة كان حاضرا بقوة إذ أن زناتة المغرب الأوسط وبينها مغراوة وبنو مرين وغيرهما لم تنس هزيمتهما الساحقة أمام عبد المومن وكذا مطاردته لتاشفين بن علي وبذلك فإنه يمكن أن نستنتج أن بني مرين لم يحاربوا الموحدين كدولة بل حاربوهم ككتلة قبيلة ضمن المجموعة التي تتشكل من زناتة المغرب الأوسط وكذا قبائل عربية في إطار حلف هام انعقد بين قبيلة رياح العربية المعادية للموحدين وبين بني مرين سنة 613هـ وقد كان لهذا الحلف الذي امتد لزمن طويل أثر كبير في انتصارات بني مرين على الموحدين، والفرق بين قبائل زناتة الأخرى وبني رياح وغيرها من القبائل العربية أن هذه المجموعة كانت تتوق للقضاء على الموحدين والثأر من سياسة الموحدين اتجاههم والتي اتسمت بالعنف فقط لا غير، في حين كان بنو مرين إضافة إلى ذلك يتطلعون للحكم أي أنه كانت لديهم مطامع سياسية.
1-2 الأساس المادي:
تنفق كل الكتابات التاريخية على أن قيام الدول في المغرب في العصر الوسيط قد ارتكز على الازدهار الاقتصادي الذي احتل فيه استغلال الثروات الداخلية (ضرائب…) بالإضافة إلى التجارة البعيدة المدى خاصة مع الأندلس والموانيء الأوربية المتوسطية وبلاد السودان وكذا المشرق النصيب الأوفر بحيث كانت تشكل السيطرة على محاورها والتحكم فيها أول هاجس لدى أي حركة. وقد كان لتنوع هذه الموارد وغناها انعكاسات إيجابية على خزينة الدولة إذ لولا وجود خزينة ممتلئة لما استطاعت أي دولة أن تواجه جبهات متعددة تحتاج للانفاق خاصة منها حاجيات الجيش من عتاد ومؤونة وخيول واعطيات وهبات إضافة إلى رواتب الموظفين وغيرها أي أن قيام الدولة بل واستمراريتها رهين بالوضع الاقتصادي الذي تعيشه بشكل عام وبما تتوفر الخزينة من موارد. والمرينيون لا يخرجون عن هذه القاعدة إذ كانوا يستوطنون سباسب وصحارى الشمال الإفريقي من القيروان إلى بلاد السودان منذ أوائل دولة الموحدين وقد لاقوا كسائر زناتة الرحل مشاكل المجاعة والجذب في الأراضي الصحراوية منذ أواسط ق 6هـ خاصة وأنهم كانوا يعيشون على الترحال والصيد وشن الغارات على القبائل المجاورة ولا يعرفون الحرث ولا التجارة وهو ما جعل أموالهم محدودة في الخيل والإبل وطعامهم محصورا في لحم الإبل ولبنها والثمر.
هذا الوضع الذي كانت تعيشه قبائل بني مرين والمتسم بمحدودية الموارد لم يكن يساعدهم لا على الاستقرار ولا على أداء الضرائب التي أثقل بها الموحدون كاهل الرعية والتي كانت من دون شك سببا من الأسباب في حقد المرينين على الموحدين والتي عجلت بخراب دولتهم هذا الاستقرار اضطرهم إلى الدخول إلى المغرب والاستقرار بشماله الشرقي مستأنسين ببقايا زناتة من مكناسة وغيرهم، هذا الاستقرار بدأ يتوطد بعدما بدأ ضعف الموحدين يتجلى خاصة بعد هزيمة العقاب التي خلفت فراغا ديمغرافيا وسياسيا وعسكريا بهلاك كبار رجالات الدولة وجنودها. وقد كان أول ما جاهر به المرينيون الدولة الموحدية من العداء والذي لا يعدو إلا أن يكون في جانب منه محاولة للبحث عن اكتفاء ذاتي من بعض مواد العيش خاصة وأنهم كانوا يعانون من المجاعة والقحط والذي كان قد أثر عليهم بشكل كبير واضطرهم للهجرة، ثم لا يعدو أن يكون أيضا إلا محاولة لتوفير الموارد الضرورية لتجنيد السكان وتدعيم روح التمرد ضد الدولة الموحدية وبذلك فقد اتجه المرينيون للتعرض للقوافل التجارية والتسلط على القرى والمزارع وصد كل قوة اعترضت سبيلهم بل والزحف نحو مناطق أخرى وقتل عمال الموحدين فيها والاستيلاء على أسلاب جيوشهم وتعيين عمال مرينيين على النواحي الخاضعة لهم وفرض ضرائب معلومة عليها شرعية وغير شرعية تعينهم على القضاء على الثورات والاستيلاء على باقي بلاد المغرب وتتعداه إلى الأندلس وذلك من خلال تقوية الجيش خاصة منه الأسطول البحري.
1-3 الأساس السياسي:
تتجه بعض الروايات التاريخية إلى تعمد إغفال بعض العوامل التي شجعت على قيام دولة بني مرين كما هو الحال بالنسبة لابن أبي زرع الذي عاصر الأحداث، لكنه حاول أن يظهر الموحدين مظهر المنحلين أخلاقيا وذلك بوصفهم أصحاب خامر ومخمور و
المزيد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف |